ابن عربي

203

تفسير ابن عربي

[ تفسير سورة المائدة من آية 50 إلى آية 54 ] * ( أفحكم الجاهلية يبغون ) * أي : ما يطلبون بجهلهم إلا حكماً صادراً عن مقام النفس بالجهل لا صادراً عن علم إلهي * ( من يرتد ) * من يرجع عن طريق الحق إلى الاحتجاب ببعض الحجب ، أي حجاب كان وخرج عنه فهو من المردودين لا من أهل المحبة ولا ينثلم ولا ينتقض دين الحق بارتداده ، فإن الله سوف يأتي بقوم يحبهم بحسب العناية الأولى لا لعلة بل لذواتهم ، ويحبون ذاته لا لصفة من صفاته ككونه لطيفاً أو رحيماً أو منعماً فإن محبة الصفات تتغير باختلاف تجلياتها ومن يحب اللطيف لم تبق محبته إذا تجلى بصفة القهر ، ومن يحب المنعم انمحت محبته إذا تجلى بصفة المنتقم . وأما محبة الذات فهي باقية ببقائها لا تتغير باختلاف التجليات فيحب محبها القهار عند القهر كما يحب اللطيف عند اللطف ، ويحب المنتقم حالة الانتقام كما يحب المنعم حالة الإنعام فلا تفاوت في الرضا وعدمه ، ولا تختلف محبته في أحواله ويشكر عند البلاء كما يشكر عند النعماء . وأما من يحب المنعم فلا يشكر عند البلاء بل يصبر ومثل هذه المحبة يلزم المحبة الأولى التي هي لله ولأوليائه فيحبونه بحبه إياهم ، وإلا فمن أين لهم المحبة لله ، ما للتراب ورب الأرباب . * ( أذلة على المؤمنين ) * لينين حانين عليهم ، عطوفين في تواضعهم لهم لمكان الجنسية الذاتية ورابطة المحبة الأزلية والمناسبة الفطرية بينهم * ( أعزة ) * أشداء غلاظ * ( علي ) * المحجوبين لأضداد ما ذكر * ( يجاهدون في سبيل الله ) * بمحو صفاتهم وإفناء ذواتهم التي هي حجب مشاهداتهم * ( ولا يخافون لومة لائم ) * من نسبتهم إلى الإباحة والزندقة والكفر ، وعذلهم بترك الدنيا ولذاتها ، بل بترك الآخرة ونعيمها كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : ' اعبدوا الله لا لرغبة ولا لرهبة ' ، فهم من الفتيان الذين قيل فيهم : * وإذا الفتى عرف الرشاد لنفسه * هانت عليه ملامة العذال *